عنوان الصوت

الوصف

0:00
/
0:00

ما بعد الإبتعاث: هل يصمد نمط الحياة؟

رحلة ختام ست سنوات بين الصخب والعزلة

العدد 30

اوساكا وناغانو، اليابان

30 أبريل 2026

12 دقيقة

صوت الفصل

سنين نامان، العدد 30

4:44
/
1:11

ما بعد الإبتعاث: هل يصمد نمط الحياة؟

رحلة ختام ست سنوات بين الصخب والعزلة

صوت الفصل

الكثير منا يمرّ بحالاتٍ يخفت فيها الوهج، وهذا أمرٌ طبيعي؛ فهي دورة يحتاجها الذهن والجسد للراحة أحيانًا. لكن حتى لا نقع في دوامة الكسل وفخّه، قد يكون من المفيد أن نضع لأنفسنا حواجز بسيطة تدخل ضمن العادات والروتين.

خذ مثلًا الحركة:
قد نتكاسل عنها يومًا أو يومين، لكن إذا استمررنا عليها فإنها تصبح كالحاجز الذي يمنع الانقطاع، ويُبقي الإنسان في حالة مداومة على المسير نحو هدفه، وتذكّر الطريق.

كثير من الرياضيين يضعون قاعدة بسيطة:

  • حتى لو لم أتمرن اليوم، أخرج للمشي عشر دقائق على الأقل.
  • هذه الحواجز الصغيرة تمنع الانقطاع الكامل.

ومع الوقت، كلما كثرت هذه الحواجز الصغيرة قلّ الانسياب نحو الكسل. وكأن الطريق نحو الفعل يصبح أسهل… والطريق نحو الكسل أصعب. ربما لهذا يكون من المفيد أن نتأمل ما هي القوانين الصغيرة التي نضعها لأنفسنا، فهي في أحيان كثيرة قد تكون أهم من الأهداف نفسها.

- محمد الحجري

ما بعد الإبتعاث: هل يصمد نمط الحياة؟
بقلم دينا هاشم

بعد ست سنوات قضيتها كطالبة معمارية في اليابان، جاء هذا العام ليحمل خط النهاية. تخرجت حاملة شهادتي، وفي نفس الشهر، وبفضل الله، وجدت نفسي أستبدل قبعة التخرج ببطاقة موظفة في الجناح السعودي في إكسبو 2025 أوساكا.

جناح إكسبو السعودية في مدينة أوساكا.

Text Link

كانت نقلة مباشرة، قفزة من هوية الطالبة إلى هوية الموظفة، ومن قاعات المحاضرات إلى قلب أحد أكبر المحافل الدولية. لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت مهمة تمثل تتويجًا لسنوات الابتعاث: أن أمثل بلدي في البلد الذي احتضن دراستي. كانت الحياة في إكسبو عالمًا بحد ذاته.

انتقلت إلى أوساكا، المدينة التي لم أعتد وتيرة حياتها السريعة. فكان تركيزي على هدف أود تحقيقه مدى حياتي، وهو إتقان فن الموازنة بين الحياة والعمل، والآن بداية هذا التحدي. لكني خضت معركة يومية، أنجح فيها أحيانًا ويغلبني العمل أحيانًا كثيرة. بسبب ضيق الوقت، اكتفيت بوجبة سريعة من المطعم، وسرعان ما تحول يومي إلى جري متواصل وساعات عمل طويلة تمتد أحيانًا حتى منتصف الليل.

حركة الناس الكثيفة بداخل المعرض.

Text Link

في فريق استقبال الضيوف المهمين، لم يكن هناك يوم يشبه الآخر. كنا نواجه تحديات يومية تتطلب ارتجالًا كاملًا، فالأحداث غير متوقعة والخطط في تغيير دائم. في خضم هذا، استقبلت مئات من كبار الشخصيات، وحتى أصحاب المناصب العالية، وجهًا لوجه، أتعامل مع صناع قرار. كانت هذه التجربة جرعة قوية ومكثفة جهزتني لما هو قادم. كأنني سافرت بالزمن وتدربت على بيئة العمل السعودية وأنا لا أزال في اليابان.

اعتدت على التوتر والتأهب الدائم، لدرجة أنني لم أكن آكل كفاية ولا أتمرن كما اعتدت، ولأول مرة في سنواتي في اليابان لم يكن متوسط نومي ثماني ساعات في اليوم. لكننا نجحنا. أنهينا المهمة وقد استضفنا أكثر من ألفي شخصية هامة وثلاثة ملايين زائر، ومثلنا وطننا خير تمثيل. يبدو أنها كانت الختام الأنسب لرحلة الست سنوات، ولكن في داخلي كنت أشعر أن فصلًا ما زال ناقصًا.

إحتفال اليوم الوطني السعودي في جناح أكسبو اليابان.

Text Link

ما بعد الإكسبو: الحاجة إلى وقفة

كنت بحاجة إلى ختامٍ مختلف. وقفة صادقة أراجع فيها دروس ست سنوات، وما حملته الأشهر الستة المكثفة في الإكسبو. من هنا، وُلدت فكرة «معسكر ما بعد الإكسبو» في خريف ناغانو. هناك، وبدعمٍ من نامان، وجدت المساحة التي أحتاجها لإغلاق هذه المرحلة بهدوء، ومراجعة ما مررت به… قبل العودة إلى الوطن.

الإنتقال من المدينة للريف.

Text Link

العزلة في الريف الياباني

شحنت كل ممتلكاتي واكتفيت بحقيبتي وما أحتاجه في هذه الرحلة. وانطلقت بهوية مختلفة؛ فلا أنا الطالبة ولا أنا الموظفة. لم أكن أحمل منصبًا أعرف نفسي به هذه المرة، ولم أحتج تعريفًا لنفسي في رحلة لم أقصد بها الالتقاء بأحد. كانت هذه المرحلة تعني شيئًا واحدًا: إعطاء النفس حقها كاملًا. كانت رحلة لمراجعة السنوات والتجارب، وأهم سلاح في هذه العزلة كان الكتابة.

للوصول إلى هذه المرحلة، كان لا بد من نواميس صارمة تحكم هذه العزلة:

  • تغذية الروح: لا مدخلات لأي معلومة، ولو من كتاب. المدخل الوحيد المسموح به هو القرآن الكريم.
  • السكينة: الحرص على الصلاة في وقتها.
  • التأمل والحركة: المشي الجسدي اليومي.
  • الكتابة: هي المخرج الوحيد للأفكار.
  • لا للعمل: واتساب/إيميل مرتين فقط في اليوم.

كان هذا الناموس الأخير هو الأهم. لقد اعتدت أن تكون قيمتي في عملي، ولكني لا أرغب أن تكون هذه معاييري في تقييم الناس. لا أريد أن أنسى أن هناك حيوات أخرى اختارها أناس بعيدًا عن المناصب والصخب. لهذا، اخترت أن أنتقل من «قلب الجناح» إلى «قلب اليابان»، تحديدًا في شيوجيري في وسط ناغانو، مدينة تقع وسط اليابان، فمسافتها إلى ناغويا تساوي مسافتها إلى طوكيو في الجهة الأخرى.

عائلة اوكوبو.

Text Link

وصلت إلى قلب اليابان، وتم استقبالي من قبل عائلة النزل. كان لدي علم بأن النزل محاط بالجبال وبعيد عن أي محل قرابة ساعة مشيًا، فلن أستطيع التبضع ولا التجول إلا في الطبيعة. فدوّنت قائمة التبضع للأيام القادمة وتم شراؤها: فطور، غداء، عشاء. ثلاث وجبات في اليوم تكفيني على عدد الأيام بالضبط. أخذت أرتبها في الثلاجة وبدأ المعسكر. كان الحماس يغلبني، فالآن وأخيرًا بإمكاني أن أختلي بأفكاري وأتوقف عن الجري.

إطلالة الغرفة في نزل أوكوبو.

Text Link

في اليوم التالي، لم أستيقظ مستعجلة من نومي، لمعرفتي بأن الوقت لن يمضي بسرعة. بدأت بالمشي وأطلت فيه، لمعرفتي أن ليس بيدي عمل شيء إلا المشي والأكل والكتابة. فأصابني الملل وأجبرت نفسي على التأني في كلٍ من الثلاثة. فتحت دفتري وبدأت بكتابة دروس من الإكسبو. بدأت بكتابة دروس لا أريد تكرارها في عملي القادم، ودونت أسماء الفريق جميعًا وذكرت ما تعلمت منهم ومن أخطائهم في العمل.

من دروس العمل:

1. أن لا أعرض مشكلة على المدير حتى آتي بالحل أولًا.
2. دائمًا هناك فرصة مشروع داخل كل المشروع.
3. في كل محادثة وكل موقف معلومات ثرية جدًا يراها من ينصت ويراقب جيدًا.
4. لا أستثمر في وعود لم توثق.
5. إذا أعجبني عمل أحدهم، يظل الإنسان يخطئ ويصيب، فلا آخذ كلام أي أحد على أنه حقائق مطلقة

لم أكن أعلم أنني اكتسبت خمسة وعشرين درسًا، وهي قواعد ستقطع شوطًا في سيرتي المهنية والشخصية.

وأتى وقت الغداء، فأعددت الطعام، ثم أخذني الحماس وأكملت الكتابة وقررت أن أكتب دروس حياتي في اليابان. وكان الأمر أصعب بكثير مما تخيلت. ست سنوات مليئة بأحداث صقلتني لما أنا عليه. لم تحضرني دروس السنين، ولكني أرى نتائجها. ومن هنا علمت أهمية التوثيق الدوري، فلا يستطيع الإنسان اختصار دروس الحياة بعد مدة طويلة؛ تصبح غير مرئية ولكنها متجسدة فينا.

تطبيق النواميس، وبداية رحلة العزلة مع الدفتر.

Text Link

تركت الصفحة فارغة وقلبتها، وبدأت بكتابة:
دينا في 2019 — أول سنة في اليابان.

أسهبت في الكتابة، وبدأت تتدفق ذكريات قد نسيتها. أهمها كانت فرحتي بقدومي إلى البلد الذي لطالما حلمت أن أعيش فيه. تذكرت حرصي الشديد على المال، وخوفي من المجهول، خصوصًا أنني كنت على حسابي الخاص، فلم يكن الأمر سهلًا.

أوقفت القلم، ورفعت رأسي، وأراني في آخر أيامي في اليابان.

جلسة التأمل ف بهو النزل.

Text Link

هنا ينتهي الفصل الأول من رحلة المعسكر: «فصل العزلة».

وأنتقل إلى المحطة التالية: «فصل المجتمع»،
حيث سأحاول من خلال تحضير الطعام أن أقترب أكثر من معنى العطاء والمشاركة.

نراكم الأسبوع القادم، بإذن الله.

Text Link

تصفح المزيد من أعداد سنين نامان