الوصف
.jpg)
سنين نامان، العدد 32
.jpg)
انتقلت من جنوب ناغانو إلى شمالها، قاصدة المحطة الأخيرة من معسكري. تجربة قد تبدو في ظاهرها أقل صرامة من حيث النواميس، لكنها تحمل في جوهرها فكرة: جمع الحصاد. إنها النهاية التي تتجسد فيها ثمار سعيي طوال هذه السنوات.
ذهبت للعمل مع عائلة تمتلك مزرعة تفاح، وكان الوقت وقت الحصاد. وبعد أكثر من خمس ساعات وصلت، لبست حذائي المخصص للعمل، وركبنا الشاحنة الصغيرة لننطلق. على امتداد البصر، لم تكن هناك سوى أشجار التفاح المثقلة بثمارها. سرنا بالسيارة قرابة عشر دقائق والمشهد لا ينقطع، حتى أطلقت على هذا المكان اسمًا يليق به: جنة التفاح.
.jpg)
جنة التفاح، قرية إيزونا.
Text Linkنزلت وارتديت قفازاتي، لتناولني الجدة سلة وتشرح لي طريقة القطف. قالت لي: «قد نعتني بالشجرة لأشهر طويلة لنصل إلى هذا اليوم، لكن طريقة قطفك لها هي ما يحدد مصير التفاحة؛ إما أن تُباع أو تُرمى. خدش واحد يكفي لنستغني عنها، فاقطفيها بعناية».
.jpg)
الجدة اليابانية وهي تقطف من حقول التفاح.
Text Linkكانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحًا. انضم إلينا الجد واضعًا جهاز الراديو الخاص به تحت إحدى الأشجار، وبدأنا القطف وعمّ الصمت، مرت ساعات اليوم دون أن ننطق بكلمة. كنت أصب كل تركيزي في كل قطفة، ولعلي خدشت بعضها فأخفيتها في السلة على استحياء، لكنني أعدكم أنها كانت مرات معدودة. من حولي، تناثرت السلال الزرقاء؛ اهتمام دقيق بالتفاصيل يضفي على المكان جمالًا منظمًا، فلا مكان للعشوائية هنا. حتى في ألوان السلال.
Text Link
استراحة الشاي
بعد ساعتين من العمل، رن جرس من بعيد. ترك المزارعون ما بأيديهم وقالوا: «حان وقت الشاي!». في هذا الوقت تحديدًا، يقتطع الجميع لحظات للراحة في نفس الوقت. جلسنا في منزلهم نحتسي الشاي، ولا مانع بالطبع من تذوق ثمار جنة التفاح. تنوعت الأصناف بين «شينانو سويت» الذي كنا نقطفه، و «فوجي الذهبي» المائل للصفرة، وكلما مررنا بنوع، أحضروا لي تفاحة لأجربها.
.jpg)
استراحة الشاي.
Text Linkعدنا بعدها إلى صمتنا وعملنا حتى وقت الغداء. كنت أتعجب كلما نظرت إلى الساعة؛ كيف يمر الوقت بهذه السرعة؟ تحول العمل إلى إيقاع سريع وتلقائي، لكنه أدخلني في حالة من السرحان العميق، لدرجة أنني سافرت إلى ذكريات ظننت أنني نسيتها، وفتحت ملفات كساها الغبار. تذكرت محاولاتي السابقة لممارسة التأمل، كيف كنت أجبر نفسي على الجلوس بصمت وتفريغ ذهني، وكيف كان التشتت يغلبني. وهنا أدركت الفرق: الحركة الروتينية في الطبيعة تحفز الدماغ على التأمل والصفاء بشكل تلقائي، يفوق مجرد الجلوس وإجبار النفس على التفكير في اللاشيء. استمر العمل؛ نقطف الثمار، نملأ السلال، ويأتي الجد بعربته ليجمعها في السيارة. ومع غروب الشمس، عدت إلى المنزل منهكة لأستعد لليوم التالي. لم أكن أظن يومًا أن العمل الزراعي قد يبتلع اليوم بأكمله.
.jpg)
مع الإيقاع والحركة ننسى مرور الوقت.
Text Linkماذا نفعل بالضفدع؟
في اليوم التالي، بدأت آلام العضلات تظهر. لم أتوقع أن عملًا يبدو بسيطًا كقطف التفاح قد يرهق أكتافي بهذا الشكل. رغم ذلك، ذهبت للعمل دون تذمر. بعد أكل تفاحة الصباح، اتجهنا لتقليم الأشجار. لم يكن التفاح أحمر بالدرجة التي تشترطها السوبرماركت، وهنا تأتي صرامة القوانين؛ كان لزامًا علينا تقليم الأوراق وتدوير التفاحة ليكتمل لونها من كافة الاتجاهات، حتى وإن كان هذا التقليم يقلل من حلاوتها، اللون أولًا. هنا، لمست معاناة المزارعين مع القوانين الصارمة للسوق.
وبينما أنا مندمجة في قص الأوراق، قفز ضفدع فجأة! فقفزت أنا في الاتجاه المعاكس هاربةً، وركضت نحو الجد مستنجدة: "ماذا نفعل بالضفدع؟!" ضحك وسألني مستغربًا: "ماذا تقصدين؟ أين نذهب به؟ هذا مكانه، هو يأتي للأماكن الرطبة وقد أمطرت السماء صباحًا". بدا سؤالي سخيفًا جدًا في تلك اللحظة. وأتت الحفيدة حين ركضت نحوي بحماس قائلة: "سأجلب لك ضفدعًا جميلًا، انتظري!"، وبدأت تعرض عليّ خيارات لرؤية ضفادع ملونة، أو حشرات، أو حتى سحلية.
Text Link
لطالما تحدثت في العمارة وفي حياتي اليومية عن أهمية الانسجام مع الطبيعة، وأن الطبيعة دواء وغيابها يمرض. وقد تكلمت عن الضفدع في معسكر الطين ولم أمانع وجوده، وفي هذه المرة أردت التخلص منه! حاولت جاهدة أن أتقبل الموقف، لكني رفضت بلباقة عروض الحفيدة وعدنا للعمل.
2 طن من التفاح
بعد الظهيرة، أمطرت وتوقف العمل في الحقل. انتقلنا إلى مخزن التفاح المقطوف لبدء عملية الفرز. كل حجم في صندوق، والمخدوش يوضع مع التالف. لم أنجو من فعلتي؛ ها أنا أرصد بنفسي التفاحات التي خدشتها وأخفيتها بالأمس. بدأت بالتقسيم وحمل الصناديق التي قد يزن الواحد منها أكثر من 20 كيلوغرامًا. تمر الساعات، وتغيب الشمس، ونحن على حالنا حتى أتممنا فرز 2 طن من التفاح. بحلول ذلك الوقت، كانت أكتافي تشتعل حرارة من المشقة.
.jpg)
الجدة بدأت بعدْ التفاح.
Text Linkسألت الجدة بفضول: هل هذا العمل مقتصر على موسم الحصاد فقط؟. ضحكت وقالت: هذا عملنا طوال العام، من الصباح حتى غروب الشمس. بدا كلامها منطقيًا جدًا، فهي ما شاء الله في السبعين من عمرها، تتحرك بخفة وتنجز ما أعجز أنا عن إنجازه. لقد انعكس هذا العمل الشاق في صحتها الجسدية انعكاسًا جميلًا.في وقت الاستراحة، كانت القطة شيما-تشان تأتي لتواسي تعبنا ونحن نشرب الشاي. أنهينا يومنا في المزرعة بالتوجه إلى الينابيع الحارة، ليتبخر ألم أجسادنا وتناولنا العشاء معًا كعائلة واحدة.. عائلة جنة التفاح.

الينبوع الحار «الأونسين» بنكهة التفاح.
Text Linkنهاية وبداية
وكان هذا العشاء الأخير، وانتهى المعسكر. لكن النهاية الحقيقية لم تكن في حزم الحقائب، بل كانت في الداخل؛ حان وقت المواجهة الأخيرة.. مواجهة الوداع، والوقوف أمام حصاد ما جنيته في سنواتي في اليابان. ليس حصادًا من التفاح هذه المرة، بل حصاد من الدروس، والمواقف، والتحديات التي صقلتني. التحدي الأكبر أمامي الآن هو أن أحمل معي خلاصة هذا الحصاد إلى الفصل الجديد من حياتي، وأن أمتلك الشجاعة لأمضي قدمًا دون أن أتعلق بنسختي القديمة التي عاشت وتألقت هنا.
لقد أدركت في هذه العزلة فخًا خفيًا؛ أحيانًا، عندما ينجح الإنسان في بناء قصة ملهمة لنفسه، يتشبث بها بكل ما أوتي من قوة، ويتباهى بها لدرجة أنه يعتبرها بطولته الوحيدة. هذا التعلق، رغم حلاوة الإنجاز فيه، يتحول إلى حجاب يقف بينه وبين مواجهة العالم باتساعه وتنوعه، ويحرمه من خوض تجارب وقصص أخرى لا تقل روعة تنتظره في الأفق. النجاح في مرحلة ما، قد يصبح قيدًا يعيق التطور إذا لم نتقن فن التجرد منه.
وهذا تحديدًا ما أحرص عليه بكل وعي في هذه اللحظة. أن أترك قصتي اليابانية هنا، أتركها كإرث عزيز وجميل في الذاكرة، لأعود إلى أرض الوطن بصفحة بيضاء، وروح خفيفة، مستعدة لكتابة قصة جديدة تمامًا.
قصة لا تستنسخ الماضي ولا تعيش تحت أجنحته، بل تتشكل بمرونة لتلائم البيئة الجديدة بكل معطياتها وتحدياتها. أُنهي هذا المعسكر وأنا أقف على خط النهاية والبداية معًا.. متجردة من ألقاب الماضي، غير متعلقة بما كنت عليه، وراضية تمامًا ومستعدة لما سأصبح عليه.

تساقط مع لحظات الوداع.
Text Linkعند عودتي إلى الوطن بدأت بتصفح دفاتري لأجمع دروسًا قد غابت عن ذهني في رحلة العزلة. لكل مرحلة تحدياتها، وكنت أدون اقتباسات تلمسني حينها. بداية رحلتي في اليابان كانت بعنوان: «اذهب لمكان لا تدركه». دونتها في أول شهر لي هناك لتثبيت هذه الفكرة. سر التطور هو توسيع المدارك. كنت محاطة بالكثير مما لا أدركه من لغة ومستقبل مجهول وحياة مختلفة تمامًا عما اعتدت. ثم كان هاجسي تعلم لعبة المال، ثم التعامل مع مختلف الناس والأجناس. لفتاة خجولة تتجنب المناسبات، كانت هناك الكثير من الدروس، أحدها اختصرته في مقولة:«شقيٌّ من لا يحسن الكلام، والأشقى من لا يحسن الصمت.»كانت سنة حافلة بالمواقف المؤلمة والقاسية. لعلني قسوت على نفسي حينها. وأختم اقتباساتي بمقولة:
إذا كنت سعيدًا أعطِ السعادة حقها، افرح.
وإن كنت حزينًا أعطِ الحزن حقه، ابكِ.
لا تقع في فخ التشبث بشعور واحد، فالحياة رحلة صعود وهبوط.
بدايات جميلة ونهايات معبرة، ويبقى الثبات الوحيد هو المتغير،
وتظل الحقيقة أن كل شيء يبدو دائمًا ليس إلا ضيفًا مؤقتًا.
Text Link
حققت كل ما تمنيت تحقيقه، على الصعيد الشخصي والعملي. بطبيعة الحال كنت متخوفة من فكرة الرجوع إلى أرض الوطن والتغييرات التي ستطرأ حينها، ولكن منذ بدأت كتابة مشاعري حين وطأت قدمي هنا، نسيت كل ما كان يشغل بالي وغمرني شعور الامتنان. إحساس أنني وصلت خط النهاية. فارتخت عضلاتي وأكملت الكتابة.
.jpg)
عزلة التدوين.
Text Linkكانت عضلاتي تشد حين أصل لمواقف صعبة مررت بها، وترتخي حين أنتقل لمراحل أفضل. أرى شريط حياتي في اليابان بكل وضوح، بمشاعرها، بأشخاصها، بإنجازاتها. مررت بكل نسخي السابقة، بكل خوف وكل حزن وكل سعي سعيته لأصبح ما أنا عليه الآن. سألت بتعجب: كيف رسمت لنفسي خطة في سن التاسعة عشرة؟ وكأنني رأيت المستقبل وإمكاناتي من البداية، ولم أخذلك نفسي في ذلك.
وفي آخر يوم أكملت تدوين فصول حياتي في اليابان حتى كتبت رسالتين أخيرتين:
رسالة للماضي؛ ملأتها بالامتنان لشجاعة نسختي القديمة، رغم خوفها من النوم في الظلام، للنسخة التي ذهبت طوعًا للنوم في بيت طين وسط الغابة بمفردها. للنسخة التي تخجل من محادثة الغريب وتتجنب حتى طلب طبق من مطعم، إلى التي افتتحت الجناح السعودي أمام كبار الشخصيات. في طيات هذا الانتقال الكثير من التأمل في دروس الحياة، أو بالأحرى دروس اليوم والسعي الدائم في التطور.
رسالة للمستقبل؛ كانت تذكيرًا وموعظة. تذكيرًا لنسختي الحالية، فأنا على وجه مرحلة جديدة، ومن لا يذكر نفسه في مراحل الانتقال قد يتشتت ويغلبه الشك. فوجب عليّ تذكير نفسي بأن رزقكم في السماء وما توعدون، وأن تستقيمي في مشيتك، وتذكري أن الله أكبر من كل شيء. حافظي على محيط ملهم ومجتمع يشبهك، وما هو قادم خير كما سبق.

وداع أرض اليابان.
Text Linkكانت آخر صفحة في دفتري، وكانت خاتمة رحلة العزلة ومراجعة النفس. وهنا أغلقت كل ملفات هذا الفصل.وأنهيت الصفحة بالحمد، والحمد لله دائمًا وأبدًا.
ما بين التشتّت والانسياب في الممارسة
ثلاث وصايا للتأمل:
1. توهّم الملل
هل هذا ملل حقيقي، أم نفاد صبرٍ متنكر؟
2. إدمان البداية
هل تحتاج فعلًا إلى ممارسة جديدة كي تستقر، أم أنك تهرب من الاستمرار بالبدء من جديد؟
3. الاستعجال بالنتيجة
هل يكفي الحماس كي يطفئ استعجالك، أم أن العجلة لا يهدئها إلا السكون؟
