الوصف

سنين نامان، العدد 23

كثيرًا ما نضع لأنفسنا أهدافًا لتبنّي بعض العادات؛ مثل الالتزام بتمارين منتظمة، أو المحافظة على نمط غذائي صحي، أو المداومة على القراءة والتدوين. لكن التحدي غالبًا لا يكون في وضوح الهدف نفسه، بل في كيف يُصمَّم اليوم كاملًا ليخدم هذه الأهداف؛ بحيث تصبح سلسة في التطبيق، ومتصلة ببقية تفاصيل اليوم، وجزءًا من نمط حياة متكامل، لا عادةً معزولة أو الاستثناء الوحيد الجيّد في يوم مزدحم.
في معسكر حياة الجبل نعيش تجربة حركية في بيئة جبلية، صُمّمت لربط الهدف بالفعل، وجعل الهدف الكبير «تسلّق الجبل» جزءًا طبيعيًا من إيقاع اليوم نفسه، لا نشاطًا منفصلًا عنه. وفي الوقت ذاته، تُعاش بقية الأوقات بالقدر نفسه من الأهمية، بحيث تتكوّن الأيام من منظومة واحدة تتكامل فيها الحركة، والراحة، والمهام اليومية، دون تضاد أو استعجال.
يقول كبار السن من أهالينا إن «الله يناديك للحج»، وكأنهم يحاولون تفسير ذلك الشعور العميق الذي يضعه الله في قلبك تجاه أمرٍ ما؛ شعور يصعب تجاهله حين تصبح مستعدًا لاستقباله. يأتي النداء بطريقة مُصرّة، يتسلل إلى يومك، وإلى أحاديثك وخواطرك، حتى لو حاولت تجاهله. قد يبدو في رغبة مفاجئة لا تفسير لها، أو في أحاديث تتكرر حولك، أو في طريقٍ يبدأ بالانكشاف خطوة بعد خطوة… حتى تدرك أنك أمام نداء حقيقي، وأن عليك أن تجيب.
وهذا تمامًا ما حدث بيني وبين الجبل واليابان. لم يكن الأمر صدفة، ولا ثمرة بحث أو تخطيط؛ كان نداءً خالصًا. ظهر في مواقف متباعدة وأحاديث غير مترابطة، لكن جملة واحدة كانت تتكرر على لساني: «أشعر أني أحتاج أطلع جبل.» «أحس أن فيه جبل يناديني.» جملة قد تبدو غريبة، وكنتُ لا أدرك معناها تمامًا، إلا أنها كانت رغبة داخلية صادقة، أعمق من مجرد ميلٍ لمغامرة؛ كانت استجابة لشيء يدعوني. لم تكن الوجهة مهمة؛ كان المهم أن النداء واضح؛ هناك جبل في الموضوع… فاستعدّي.
وحين تكون مستعدًا للتجربة، تبدأ الإشارات بالظهور والتقرّب منك. وهذا ما حدث معي. ظهر أمامي منشور لنامان عن رحلة للسيدات في الريف الياباني. ورغم أن الفكرة حرّكت شيئًا في داخلي، فإن تفاصيل الرحلة لم تكن ما أبحث عنه. وبعد فترة وجيزة، ظهر منشور آخر بعنوان: «معسكر حياة الجبل في الريف الياباني». توقفت. أحسست بدهشة حقيقية؛ عنوان واحد جمع كل ما يشدّني: اليابان، والريف، والجبل. هل هذا ممكن؟ هل أستطيع؟ اليابان حلم قديم، الريف طريقة حياة تستهويني، والجبل حاليًا يناديني… فهل أستجيب للنداء؟

في الطريق إلى الريف.
Text Linkهناك وصف يُطلق على الإحساس عند اتخاذ القرارات، وهو إحساس يأتي من داخلك، من كل كيانك وليس من عقلك فقط. يُقال عنه «Full Body Yes»، ويُقصد به مجازيًا «إحساس بالموافقة من كل كيانك»، وهو شعور داخلي باليقين والرضا التام عند اتخاذ قرار ما، وكأنك تقول «نعم» من قلبك وروحك وجسدك. وهذا بالفعل كان شعوري في كل مرة أتخاطب فيها مع نامان بخصوص الرحلة؛ إحساس بـ «نعم» و«أكيد» ملفوفة بطمأنينة الاختيار والقرار. تشعر حقًا في قرارة جسدك بأن هذه الخطوة «صح، وهذا وقتها». وهكذا عقدت العزم… أنا ذاهبة إلى اليابان.
بعد 15 ساعة من السفر والتنقل، وصلت إلى أرض اليابان. وعند تخطيطي لهذه الرحلة، قررت أن أقضي بضعة أيام قبل بداية المعسكر لوحدي في السفر والتنقل في طوكيو وشِعابها ورؤية معالمها، وفي الوقت نفسه أعيش تجربة السفر الفردي لأول مرة في رحلة طويلة مثل هذه، ولبلد يُوصف بأنه آمن للسيدات مقارنة بأماكن كثيرة. في طوكيو، واليابان عمومًا (والسفر بشكل أوسع)، تجد نفسك في حالة مستمرة من المشي لدرجة تفقد فيها الإحساس بنفسك، لكن المتعة والاكتشاف يجرّان قدميك شارعًا وراء الآخر. تتوقف حين يقرصك الجوع لتدرك بأنك مشيت المدينة كلها تقريبًا، واستخدمت جميع وسائل التنقل منذ ساعات الصباح الباكر. ويتكرر هذا الأمر كل يوم. والحقيقة أن هناك متعة عجيبة في اختيار نقطة رئيسية للضياع منها؛ أختار بقعتي الأساسية ثم أنطلق وأتشعب في الأحياء في رحلة مع نفسي إلى عجائب وغرائب طوكيو غير المتوقعة. واستمريت على هذا النحو إلى أن جاء اليوم الموعود: يوم اللقاء مع أصدقاء المعسكر وبداية الرحلة رسميًا في طوكيو، قبل أن نتجه إلى الريف.

مشاهد من المدينة.
Text Linkهناك شعور مختلف في الريف؛ جاذبية عجيبة وهدوء تشعر به في اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماك المكان. قد يكون موحشًا قليلًا في البداية لأننا معتادون على الصخب بشكل مستمر. وسأتحدث هنا عن نفسي، فأنا معتادة على الصخب، ولا أستخدم هذا الوصف بشكل سلبي، بل كصفة مجردة؛ فالحياة لها صخبها، ولها انشغالاتها وعبثيتها، لكن في الجهة المقابلة لها هدوؤها وطمأنينتها وسكونها. في الريف يصمت كل شيء، وتُفتح مساحة شاسعة من الفراغ حولك وفي داخلك أيضًا. ملأ المعسكر هذا الفراغ بأنشطته: صعود الجبل، المسير بين البيوت، العمل الزراعي، والمشي بين الحقول. المدهش أن هذه الأنشطة لم تضِق المساحة، بل وسّعتها. سعة سمحت لي بالإنصات لنفسي أكثر، وبالاقتراب من صوتٍ كان خافتًا، وبالشعور بأن التخفّف ممكن… عندما يسكن كل شيء.
تتردد في ذهني عبارة «ما يحدث في الخارج، يحدث في الداخل» التي تشرح وتصف تماماً هذه الفترة التي عشتها بين الجبال. هدوء الجبل وثباته واتساعه انعكس عليّ خلال ساعات الصعود. عشت لأول مرة حالة الذهن الخالي؛ لا أفكار تتدافع، ولا مخاوف، أو أسئلة. فقط سكون صافٍ. كانت تلك لحظة عشت فيها، وللمرة الأولى، شعور «دماغي فاضي»؛ لا فكرة عبثية، بل لحظات من السكون. وكان الشعور جديدًا عليّ، خصوصًا أنني في أحيان كثيرة يغلبني فرط التفكير.

يوم العمل وقطف المحصول في أحد الحقول اليابانية.
Text Linkثلاث ساعات من السكون المتواصل عند الصعود؛ لأ… لم يمر عليّ شريط حياتي، ولم تغمرني أفكار عن الخطوة القادمة، ولم أجد إجابات أو إلهامات لتساؤلاتي المنطقية وغير المنطقية… فقط شعورٌ بالتمدّد والتوسّع مع كل نفسٍ أخذه، وكان النفس هناك مختلفًا تمامًا. في هذا الجبل، لم أشعر بالعجلة، ولم أشعر بالتردد، بخلاف الجبل الأول الذي صعدته وأنا لازلت حاملة معي «صخببي» الخاص وأفكاري وتردداتها. كان جبل كُروهيمي نقطة انعطاف؛ دخلته محمّلة بصخب، وخرجت منه أخفّ. والعجيب أن وصف الجبل في تفاصيل الرحلة المرسلة من قبل نامان كان: «مسار متوسط مع استراحة قصيرة يمر عبر الغابات والمراعي المفتوحة»، وكأن المسار كان يدعوني للتوسع عبر مساحاته المفتوحة! الريف عمومًا، والجبل خصوصًا، كله مساحات شاسعة؛ لو سمحتَ لنفسك بالتواجد فيها واستقبالها، لوجدت انعكاس ذلك في داخلك.
لو تأملتُ في تجربة الريف والمعسكر، لوجدت أنها أضافت لي السعة، ليس فقط بسبب المساحات الشاسعة الممتدة أمام النظَر، بل أيضًا بسبب صحبة الطريق. نعم، هناك صحبة توسّعك وتوسّع مداركك، وأخرى تجعلك تتمنى الانعزال. لكن هذه الرحلة علّمتني متعة الصحبة في الحديث وفي الصمت معًا، وبشكل أكبر مما كنت أتخيل. فقد كان التواجد معهم خلال فقرات اليوم المختلفة ممتعًا. في الصباح، كان مسيرنا صامتًا لكنه حاضر. وأثناء صعود الجبال كان حديثنا مشجعًا ومحفّزًا للجهد، وأحيانًا يتحول إلى مشاركات وتأملات نفسية. وفي مسير المدينة، كانت أحاديثنا لحظات عميقة للتعرف على رفيق المسير، تتحدث فيها ببساطة عن نفسك وحياتك، وتشارك أفكارك كما لو أنك تمشي مع صديقة المدرسة في فسحتها. وعند النهر السري، ومع صوت المياه الجارية، كان الحديث عن تحديات الحياة وطموحاتها وأحلامها، وعن العمل والشغف وتغيير المسار.

المسير للجبل.
Text Linkأما حديث الليل [حديث النار كما يسميه فريق نامان] فكان المفضل لدي. فمشاركة جانبك المضيء سهلة… لكن مشاركة الجانب الآخر؟ هذا يحتاج إلى شعور بالأمان في الصحبة والجلسة، وشعور بأن الآخر لديه سعة للاستماع، قادر على احتواء حديثك بعينٍ وأذنٍ محبة ومتأملة. وهذا ما تجلى في صحبة رفاق المعسكر؛ فكان الحديث معهم ممتعًا ومضحكًا للغاية نهارًا (لحد نزول الدموع أحيانًا)، شديد العمق ليلًا. ومن جمال هدايا الجبال والريف أنهما منحانا جميعًا السعة لاستقبال تجارب وتأملات وتساؤلات بعضنا البعض، حتى تضيف لحياتنا بعد العودة.

دائرة لحديث.
Text Linkالوداع قد يكون مخيفًا بعض الشيء؛ ففيه نهاية غير واضحة المعالم، وفيه العودة إلى حياة تركتها، وتعود إليها بفهم ووعي مختلف. وغالبًا يبدأ الوداع في اللحظة التي تبدأ فيها بهضم التجربة، وحين ترتاح لها، يفاجئك شعوره وتساؤلاته ونظرته المتسارعة إلى المستقبل. «كيف نحسن الوداع يا رفاق؟» كان هذا سؤال رفيقة المعسكر رغد في آخر يوم من الرحلة ونحن في طريقنا إلى محطة القطار. أتذكر أنني وقتها كنت مستمعة للحوار، ومع ذلك كانت التساؤلات تتزاحم في رأسي: هل هذه النهاية؟ ماذا بعد هذه المرحلة؟ لم أملك جوابًا واضحًا. وبصراحة، أنا لا أحب شعور الوداع عادة، لكن هذه المرة وجدته خفيفًا على قلبي. في يومي الأول بعد انتهاء المعسكر، كانت فكرة الوداع طاغية على تأملاتي أثناء المسير في شوارع كيوتو، ثم أثناء التدوين في بهو الفندق. وجدتُ نفسي أكتب رسالة لأصدقاء الرحلة، وكأنها إجابة جاءت متأخرة عن ذلك التساؤل الذي طرحناه معًا.
قد لا تكون الفكرة جديدة، لكن الجديد كان أنا: مكاني، راحتي، طمأنينتي، واستعدادي لاستقبال هذا المفهوم وفهمه بشكل أوسع وأعمق. أعتقد أن هذا الإيمان الجديد اتسع داخلي بعد هذه الرحلة، فأصبح يذكرني كلما نسيت، وألجأ إليه حين أحتاج جرعة طمأنينة أواجه بها الحياة. «لا بد للأشياء أن تنتهي حتى تسمح لغيرها بالولادة.» أو كما يُقال: «في التخلّي تجلّي.»
نعود بعد كل تجربة عميقة لنسأل: ماذا بقي منها؟ وتأكد بأن كل تجربة [مهما كانت قصيرة، ومهما كانت ممتعة] تترك أثرها. فعند عودتك لبلدك، وبالإضافة إلى الوزن الزائد الذي تحمله، فأنت تحمل وعيًا وفهمًا وأفكارًا جديدة، حكايات غير مملة وصداقات ممتدة… ومع فِكر نامان، «نواميس» جديدة للحياة.
فمنذ عودتي، فعادة المسير الصباحي بعد صلاة الفجر لم تنقطع حتى الآن إلا لأيام معدودة، لأنني أدركت بعد التجربة أهميتها في إعادة التوازن لنفسي قبل مواجهة اليوم والناس. أما حديث النار، فأصبح بيني وبين نفسي بعد نهاية اليوم، أرصده في دفتري الأسود. أما عن القيم، فالمعسكر حرّك بعض القيم عندي؛ فأصبحت للمتعة قيمة عليا في الحياة، وتأكدت من ثبات قيمة الصحة وأهميتها العظمى في منظومة القيم عندي. لكن القيمة الأكبر التي دخلت عالمي من أوسع أبوابه كانت «السعة». أصبحت أحاول أن أضيفها لحياتي، سواء في ممارساتي أو أحاديثي أو طريقتي في مواجهة الأيام. وإن خرجتُ بفكرة واحدة رئيسية من هذا المعسكر، فهي أن السعة تُخلق… بالصحبة، وبالمكان، وبالممارسات التي تمَدِّد السعة داخلنا كما تمدد الطبيعة الخارج.

كيف نحسن الوداع يا رفاق؟
Text Link
التعقيب:
عجيب هذا الربط بين الإرادة والاستدامة؛ فهو يذكّرنا أن الإرادة ليست لحظة حماس، بل ممارسة مستمرة لا وصول نهائي لها. كثيرًا ما نُفتن بوصف شخصٍ ما بأنه «ملتزم» أو «مواظب»، كأنّه بلغ النهاية، بينما الحقيقة أن الطريق لا يتوقّف. هذه العقلية تُبقينا في حالة وعيٍ دائم، وتحمينا من الاغترار بأنفسنا حين ننجح لفترة، فنعود كل يوم إلى الفعل ذاته: الكَدّ، وترك الراحة.
