الوصف

العدد 25، صوت المطر

من البحث عن «ماذا أتعلم؟» إلى «لماذا أتعلم؟»
عندما يرغب الشخص ويقرّر تعلّم شيءٍ ما بشكلٍ ذاتي، تكون هناك أحيانًا دوافع غامضة، مثل قول:
«يبدو أنه مفيد» أو «الجميع يفعل ذلك».
لكن هذا النمط من التفكير نادرًا ما يقود إلى الاستمرار.
أما عندما يكون سبب التعلّم مرتبطًا بتعريفٍ ومعنى قويّين لدى الفرد، فإن التعلّم يتحوّل إلى قوةٍ تدفعه للاستمرار، حتى في الأوقات الصعبة.
ولتحقيق ذلك، من الضروري:
الدافع إلى التعلّم ليس قرارًا يُتخذ مرة واحدة، بل هو عملية مستمرة تحتاج إلى مراجعة وتحديث مع تغيّر الظروف والأهداف.وعندما يتوقّف التعلّم، فغالبًا لا يكون السبب ضعف الإرادة، بل غموض الهدف.
«السفر إلى اليابان»
تأخر الحلم، لكنه جاء في وقته.
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، والمدينة تُطلّ من بعيد بصمتٍ يشبه افتتاح فصل جديد من الحياة. في صباح اليوم التالي، وبينما كان المطر ينساب على أرصفة طوكيو، اتجهنا إلى مكان إقامتنا الأول. استقبلتنا سيدة يابانية مسنّة بابتسامة تحمل حكمة المكان. رائحة الخشب الياباني تملأ الممر، وفي المنتصف خريطة كبيرة للعالم. وضعتُ دبوسًا يحمل اسمي على بلدي، وكأنني أقول لنفسي قبل الآخرين: لقد وصلت.
في المساء التقينا لأول مرة كفريق. غرفة يابانية تقليدية بأرضية «التاتامي»، وأجواء بسيطة تشبه الهدوء الذي نبحث عنه. جلسنا على الوسائد الزرقاء، ننتظر أن تبدأ الحكاية. لم تكن الكلمات كثيرة، لكن النظرات حملت شغفًا وفضولًا كافيين لبدء رحلة مختلفة.

الصباح الأول في مدينة طوكيو.
Text Linkاستيقظنا في اليوم التالي باكرًا، مارسنا بعض التمارين في المنتزه مع مجموعة من كبار السن، ثم عدنا للنُزل لتناول الإفطار وحزم الحقائب. قبل مغادرة طوكيو، شعرت بشيء من الهدوء يقترب كلما ابتعدنا عن المدينة. أربع ساعات من الطريق إلى إيزونا كانت كافية ليرتفع صوت الداخل شيئًا فشيئًا. وعندما وصلنا ليلاً، كان العم «توكسان» في استقبالنا، يعرف الطرق الجبلية كما يعرف كفّ يده. كانت بداية هادئة تسبق تحوّلًا عميقًا.
في مقر المعسكر، استقبلتنا طقوس بسيطة وواضحة: تسليم الأجهزة الذكية، فترات للصمت، دعوة للتدوين، والتزام بأوقات الوجبات. لم تكن تعليمات، بل عبور نحو الداخل. وبين جدران غرفتي الخشبية تلك الليلة، شعرت برغبة صادقة في الابتعاد عن الضجيج. أردت الصمت، أردت السكينة. وكان هناك همس داخلي يقول: هذا ما سيمنحك إياه هذا المكان.
بدأت الأيام بإيقاع هادئ وواضح. نرتّب أماكن النوم، ثم نخرج للمسير الصباحي. خمس وأربعون دقيقة من الصمت، نترك فيها الكلام ونفسح المجال للحواس: صوت الأشجار، حفيف الأوراق، جريان المياه، وتنفس الجبل. كان الصمت حضورًا لأشياء لم نكن نسمعها من قبل.
كانت أولى الفقرات «الحصاد اليومي». انقسمنا إلى مجموعتين؛ ذهبتُ مع المزارع «دايكي» وزوجته. ترك كلاهما وظائفهما في التقنية والتمريض ليتفرغا للزراعة. كانا يعملان بحبّ حقيقي، ويستمتعان بكل دقيقة. ساعدناهما في حصد الفلفل الأخضر. شعور بسيط لكنه مبهج: أن تمسك الثمرة بيدك، تقطعها، وتضيفها إلى السلة. وعندما سألناه عن الوقت الذي يستغرقه لحصد ما جمعناه خلال ساعتين، قال: «يوم كامل.» كانت فرحتنا بأننا قدمنا لهم شيئًا يعني الكثير.

المزارع دايكي وزوجته.
Text Linkوفي يوم آخر ممطر، صعدنا نحو قمة «مادراو». المطر يهمس على المعطف، والطريق يفوح برائحة الأرض. الأوراق تلامسنا كأنها ترحب بنا. لم يكن المسار مجرد طريق، بل اختبارٌ للوعي. كل خطوة كانت تقول شيئًا، وكل عرق شجرة يشبه سؤالًا داخليًا: هل أنت مستعد لتجاوز نفسك؟ وعند الوصول، كانت القمة أوسع من التعب. لحظة بسيطة، لكنها تمنحك إحساسًا بأنك تجاوزت شيئًا أكبر من الجبل.
بعد زيارة أخرى لمزرعة دايكي، قررنا العودة مشيًا. الطريق كان ممتدًا كأنه يفرش لنا بساطًا من الحكايات. مررنا بالمخبز الذي اعتدنا شراء الخبز منه مساءً. استقبلتنا صاحبته بحفاوة، وقدّمت لنا الشاي الدافئ. جلسنا نحتمي من المطر. كانت لحظة إنسانية تشبه العائلة، لا الغرباء.
وحين هدأ المطر وأكملنا طريقنا، ظهرت أمامنا بحيرة إيزونا — لم تكن ضمن الجدول، لكنها كانت ضمن القدر. جلسنا أمامها دقائق امتدت كأنها مشهد من فيلم صامت: الضباب يرقص فوق الماء، المطر الخفيف يعزف لحنًا، والوجوه تبتسم بلا سبب سوى أن اللحظة كاملة. هناك أدركت أن المطر الذي عطّل طريقنا قليلًا… هو نفسه الذي فتح لنا أجمل مفاجآت الرحلة. تعلّمنا منها أن العفوية أعظم من التخطيط — وأن بعض الجمال لا يُصنع، بل يُكتشف.

وقفة تأمل أمام بحيرة إيزونا.
Text Linkومع مرور الأيام، كان الوداع يقترب. الصورة الجماعية مع العم توكسان لم تكن تذكارًا، بل ختمًا صغيرًا لأيامٍ عميقة. في محطة الباص، شربنا «قهوة العودة».
وفي طريق العودة إلى طوكيو، انهمر المطر على زجاج الحافلة كأنه يكتب سطور الوداع. الوجوه حولي كانت قد تعرّفت إلى بعضها حديثًا، لكنها صارت كالعائلة. الصمت في تلك اللحظة كان لغة كاملة.
عدتُ من المعسكر برؤية مختلفة: تنظيم للوقت، كتابة يومية، صمت له معنى، وأفكار أعيد ترتيبها على مهل. تعلمت أن الروتين يشبه النسخة، لكن المرتكزات هي الجذور: الصمت مساحة تنضج فيها القرارات، الطعام احترام للجسد، التدوين مرآة داخلية.
ومنذ عودتي، أحاول تطبيق ما تعلمت: صباح هادئ، كوب ماء دافئ، دقيقة تنفس، ورقة للكتابة، فطور بسيط، عمل بلا ضجيج، كلام أقل، استماع أعمق، ومساء يتنفس مشيًا وقراءة.
الحكاية لم تنتهِ — ما زالت تُكتب، فصلًا بعد فصل.

محمد الحمادي مع فريق معسكر حياة الجبل في طريق العودة للنزُل.
Text Link