الوصف

سنين نامان، العدد 28

تتبيل طفل – بحثٌ عن ممارسةٍ للانتماء إلى المكان
— آدم أمير
بالنسبة للطفل، الزمن لا يظهر كخط ممتد، بل كحضور كامل للحظة؛ اليوم واضح بإيقاعه البسيط: فطور، لعب، قيلولة، استحمام، نوم.
لكن ما بعد ذلك يتسع بشكل يصعب الإمساك به، فالأسبوع فكرة بعيدة، والشهر أبعد، ودورات القمر لا تزال خارج الإدراك. الطفل، رغم تكرار الأيام، لا يفهم بعد ما هي «نهاية الأسبوع»، ويسأل ببساطة: لماذا اليوم مختلف؟ لماذا نذهب إلى الخارج بدلًا من الحضانة؟ وربما لا يقف السؤال عنده، بل يعود إلينا نحن: متى أصبح الزمن شيئًا نفهمه، لكن لا نعيشه؟
إلى نامان الحكيم
انقضت أيام الجبل، وحانت لحظة العودة للديار والأحبّة وتيّار الحياة اليومية.
هل كان من المصادفة أن أقصد مكانًا مرتفعًا وأنا أسعى وراء اتضاح الرؤية؟ ارتقيتُ جبالًا عدّة في السنوات الماضية، وكنت أشعر بالضيق من الاستعجال والاندفاع في الرحلة (مع مجموعة)، كون الرِّفق والأناة هما الأليق بصحبة الجبل، وقد بدأتُ في استشعار ذلك معك في الجبل الياباني، واليوم أتأكّد من هذه الخبرة برفقة جبلٍ عُماني. أتفهّم اليوم، وبشكلٍ أفضل، اختيارك وصف «معسكر» لرحلات تركز على بناء مهارات جديدة، ولكني وجدت في رحلتي ما هو أهمّ: استراحة محارب يجد في التخفّف ملجأً من ضجيج التردّد والقلق الذي غطّى على خيارات تبدو لي أكثر وضوحًا الآن.

معسكر اليابان 2024.
Text Linkكانت هناك فائدة غير متوقعة في التدريب على الكتابة! فإلى جانب الرسائل اليومية إليك، وجدتني أبدأ، وبسلاسة، الكتاب المؤجّل، حيث تشكّلت مقدّمة الكتاب وبعض ملامحه الرئيسة، وأرجو أن أستغلّ في قادم الأيام بعضًا من هذا الزخم. بدأت مجموعة من الرسائل نحو رفقاء محتملين في مشاريع قادمة، أو على الأقلّ مستشارين أو داعمين. كما جرّبت عدّة تمارين ووصفات طعام بسيطة لاستخدامها في ترحال المشاريع القادمة طويلة الأمد.
تبدو لي العزلة تمرينًا مثل النادي الرياضي والحِميات التي عادةً ما أفشل فيها عدّة مرات، مع أمل أن يكون فشلي في كلّ مرة أقلّ من سابقه. كان من الصعب المزج بين العمل والتأمل، خاصةً مع الاضطرار لاستخدام الجوال والإنترنت. أيضًا، الوجود في قرية معظم الوقت سرق، وبشكلٍ جميل، جزءًا من يومي.
Text Linkبعد أكثر من شهر على انقضاء المعسكر، بدا لي أن برنامج وتعاليم المعسكر غادرتني، ولكن العَبَق باقٍ. لدي الكثير من الذكريات والصور الجميلة من المسفاة وسكانها الطيبين، وأيضًا وضوح الطريق وانخفاض ضباب القلق، لا شكّ أنه أفضل من السابق، مع هدوء أكبر في العمل على مشاريع الشغف وسهولة في اختيار ما يشابهني من أعمال وعلاقات، مع حاجتي لتجديد العهد بتجارب مشابهة روحًا ومختلفة تفصيلًا كلّ عدّة أشهر لرفع الالتزام وإبقاء جذوة الناموس متّقدة.
أدرك الآن أكثر أنني لن أجد إجابة واضحة قريبًا، ولا بأس. أن الحياة سعيٌ يكفيه وجود أسئلة مناسبة لاختيار الطريق، دون وجهة أو نتائج محددة، أو ضمانها. وأهمّ من الطريق أحيانًا هو الرفقة، وما نصنعه معهم. كما أدرك أيضًا ضرورة الرِّفق بنفسي، كونها الرفيق الملازم، فلا أُلزمها بكل ما أستطيع وأريد تحقيقه، ويكفيني منها التقدّم في الإنجاز، وحتى إن حصل تراجع في وقتٍ ما، فاستراحة مستحقة وتجديد نشاط.
Text Link
ذكرتُ لك في رسالتي السابقة ميلنا لتقسيم وتجزيء الزمن والحياة لوحدات حتى يسهل تعاملنا معها، على الرغم من كون ذلك ينافي الطبيعة السيّالة للحياة الفطرية الواضحة في المجتمعات التقليدية كقرية المسفاة، التي لا تكاد تميّز أعيننا الحديثة فيها حدود مزارعها والمنازل. والآن أنظر لرحلة الحياة على أنها سعيٌ متّصل، أقصى ما أستطيعه فيها هو التحسين والتطوير، ترشدني فيها نيّة متأنية دون ضرورة خطّة مسبقة واضحة المعالم، كما كان في سابق أيامي حيث كنت أتحرك في مربعات ومستويات الدراسة والعمل بوضوح شديد، ربما كان منافيًا للطبيعة وحتميّة تغيّر ذات الإنسان وشخصيته وما يريده من الحياة؟
في قابل الأيام (قصرت أم طالت)، أرجو أن أقابل وجوهًا أُخر للبشرية بعيدًا عن مدن السراب، صادفتني في الريف والجبال والصحاري، أَنِستُ بها وجلبت سعادة غامرة وعابرة. أعود اليوم مفتشًا عنها، لا سائحًا مستغربًا، وإنما باحثًا عن الحكمة وململمًا إيماني بالإنسانية، الذي اهتزّ بقوة في السنين الأخيرة.
شكرًا لرفقتك الرمزية في هذه الرحلة، على أمل مصاحبتك في طريق الرحلة القادمة.

ينتهي معسكر مسفاة.
Text Link